فخر الدين الرازي

124

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

قليل ، فقال : أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً فكرر وخالف بين اللفظين لزيادة التسكين من الرسول عليه الصلاة والسلام والتصبر وهاهنا مسائل : المسألة الأولى : قال أبو عبيدة : إن تكبير رويد رود ، وأنشد : يمشي ولا تكلم البطحاء مشيته * كأنه ثمل يمشي على ورد أي على مهلة ورفق وتؤدة ، وذكر أبو علي في باب أسماء الأفعال رويدا زيدا يريد أرود زيدا ، ومعناه أمهله وارفق به ، قال النحويون : رويد في كلام العرب على ثلاثة أوجه أحدها : أن يكون اسما للأمر كقولك : رويد زيدا تريد أرود زيد أي خله ودعه وأرفق به ولا تنصرف رويد في هذا الوجه لأنها غير متمكنة والثاني : أن يكون بمنزلة سائر المصادر فيضاف إلى ما بعده كما تضاف المصادر تقول : رويد زيد ، كما تقول : ضرب زيد قال تعالى : فَضَرْبَ الرِّقابِ [ محمد : 4 ] ، والثالث : أن يكون نعتا منصوبا كقولك : ساروا سيرا رويدا ، ويقولون أيضا : ساروا رويدا ، يحذفون المنعوت / ويقيمون رويدا مقامه كما يفعلون بسائر النعوت المتمكنة ، ومن ذلك قول العرب : ضعه رويدا أي وضعا رويدا ، وتقول للرجل : يعالج الشيء الشيء رويدا ، أي علاجا رويدا ، ويجوز في هذا الوجه أمران أحدهما : أن يكون رويدا حالا والثاني : أن يكون نعتا فإن أظهرت المنعوت لم يجز أن يكون للحال ، والذي في الآية هو ما ذكرنا في الوجه الثالث ، لأنه يجوز أن يكون نعتا للمصدر كأنه قيل : إمهالا رويدا ، ويجوز أن يكون للحال أي أمهلهم غير مستعجل . المسألة الثانية : منهم من قال : أمهلهم رويدا إلى يوم القيامة وإنما صغر ذلك من حيث علم أن كل ما هو آت قريب ، ومنهم من قال : أمهلهم رويدا إلى يوم بدر والأول أولى ، لأن الذي جرى يوم بدر وفي سائر الغزوات لا يعم الكل ، وإذا حمل على أمر الآخرة عم الكل ، ولا يمتنع مع ذلك أن يدخل في جملته أمر الدنيا ، مما نالهم يوم بدر وغيره ، وكل ذلك زجر وتحذير للقوم ، وكما أنه تحذير لهم فهو ترغيب في خلاف طريقهم في الطاعات ، واللّه سبحانه وتعالى أعلم ، وصلى اللّه على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .